المفوضية الأوروبية تدرس تأجيل تنفيذ أجزاء من قانون الذكاء الاصطناعي تفادياً لهزّات في سوق التكنولوجيا
الاتحاد الأوروبي يدرس تأجيل تطبيق أجزاء من قانون الذكاء الاصطناعي لتجنّب اضطراب الأسواق الرقمية
تتجه المفوضية الأوروبية في الأسابيع المقبلة إلى مراجعة الجدول الزمني لتطبيق قانون الذكاء الاصطناعي الذي أُقِرّ مؤخرًا بوصفه الإطار التشريعي الأول من نوعه في العالم لتنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي وفقًا لمستويات المخاطر. وتبحث المفوضية، بحسب مصادر أوروبية مطلعة، في خيار تأجيل تنفيذ بعض البنود الأكثر تعقيدًا في القانون، خشية أن يؤدي تطبيقها الفوري إلى إرباك السوق التكنولوجية في الاتحاد الأوروبي وتراجع جاذبية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
الخطوة لا تعني التراجع عن القانون نفسه، بل تهدف إلى تحقيق توازن بين حماية المواطنين الأوروبيين من الاستخدامات غير الآمنة للتقنيات الحديثة، وبين دعم بيئة الابتكار وريادة الأعمال في الذكاء الاصطناعي، وهي معادلة تحاول بروكسل الحفاظ عليها منذ بدء صياغة القانون قبل أكثر من ثلاث سنوات.
خلفية
القانون: من الطموح إلى التحدي
قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، الذي تمت المصادقة عليه في ربيع 2024 بعد مفاوضات طويلة بين البرلمان الأوروبي والمجلس، يمثل أحد أكثر التشريعات الرقمية شمولية في العالم.
يقوم القانون على تصنيف الأنظمة الذكية وفق درجة خطورتها على الأفراد والمجتمع:
يُحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في ممارسات مثل المراقبة الجماعية أو تقييم السلوك الاجتماعي للمواطنين.
تُفرض قيود صارمة على الأنظمة التي تُعدّ "عالية المخاطر" مثل تطبيقات التوظيف والتعليم والقطاع الصحي.
أما الأنظمة العامة أو منخفضة المخاطر، فتخضع لمتطلبات شفافية محدودة مثل الإفصاح عن أن المحتوى تم توليده بواسطة الذكاء الاصطناعي.
كان الهدف أن تدخل معظم هذه الأحكام حيّز التنفيذ في عامي 2025 و2026، بعد فترة تحضير تُمنح للدول الأعضاء وللشركات لتوفيق أوضاعها. غير أن التطورات التقنية المتسارعة وخاصة بروز النماذج التوليدية الضخمة مثل "تشات جي بي تي" ونظرائه
ضغوط السوق والقطاع الخاص
تلقّت المفوضية الأوروبية خلال الأشهر الماضية رسائل تحذيرية من كبرى الشركات التقنية الأوروبية والأمريكية على حدّ سواء، تشير إلى أن التطبيق السريع للقانون بصيغته الحالية قد يُحدث تباطؤًا ملموسًا في حركة الابتكار داخل الاتحاد الأوروبي.
هذه الشركات، التي تشمل مزوّدي البنى السحابية ومطوّري النماذج اللغوية العملاقة، ترى أن الالتزام بالمعايير الجديدة يتطلب استثمارات ضخمة في أنظمة الأمان، وتوثيق البيانات، وتفسير القرارات الخوارزمية، وهو ما يحتاج إلى فترة زمنية إضافية للتنفيذ دون التأثير في استقرار الخدمات الرقمية.
كما عبّر عدد من رواد الأعمال الأوروبيين عن قلقهم من أن تشريعات صارمة تُطبّق فجأة قد تدفع بعض الشركات الناشئة إلى نقل مراكزها البحثية خارج أوروبا نحو بيئات تنظيمية أكثر مرونة، خصوصًا في الولايات المتحدة أو آسيا، وهو ما
الاعتبارات السياسية والاقتصادية
لا تقتصر دوافع المراجعة على الضغط الاقتصادي فحسب؛ فالاتحاد الأوروبي يعيش أيضًا تحديًا جيوسياسيًا معقّدًا في مجال التكنولوجيا. إذ يتزامن النقاش حول قانون الذكاء الاصطناعي مع مساعي الاتحاد لتقليل اعتماده على الشركات الأجنبية في مجالات الحوسبة السحابية وأشباه الموصلات.
بعض المسؤولين الأوروبيين حذروا من أن المبالغة في التشدد التنظيمي قد تجعل أوروبا تعتمد مجددًا على ابتكارات خارجية، بدل أن تصبح ساحة تنافس عالمية مستقلة.
خلاصة
ما يجري اليوم في أروقة المفوضية الأوروبية يعكس مأزقًا أعمق يواجه العالم بأسره: كيف يمكن للتشريعات أن تواكب التطور السريع في الذكاء الاصطناعي دون أن تُقيد الإبداع أو تفتح الباب للفوضى التقنية؟
الاتحاد الأوروبي، بصفته أول من صاغ قانونًا متكاملًا في هذا المجال، يجد نفسه الآن مضطرًا لإعادة تقييم سرعة التنفيذ قبل أن يتحول