اختراق طبي: شريحة إلكترونية تساعد المشلولين على المشي من جديد

لمحة نيوز

ثورة طبية: شريحة رقمية تعيد الحركة لمرضى الشلل

من المستحيل إلى الممكن

في لحظة فارقة بين اليأس والأمل، سجّل الطب العصبي إنجازًا مذهلًا قد يغيّر مصير ملايين المرضى. ففي واحدة من أكثر التجارب الطبية جرأةً وابتكارًا، تمكن فريق بحثي من تطوير شريحة إلكترونية تُزرع في الدماغ والعمود الفقري، تتيح للمصابين بالشلل الحركي استعادة قدرتهم على المشي والتحكم في أطرافهم.

ليست هذه الشريحة مجرد قطعة من السيليكون، بل تمثّل امتدادًا للعقل البشري. إنها تجسيد للتكامل بين الذكاء الاصطناعي وعلوم الأعصاب والهندسة الطبية. والنتيجة؟ الجسد يستجيب مجددًا لأوامر العقل، بعد أن انقطعت عنه الإشارات لسنوات.

ما الذي تغيّر؟ شريحة تخلق جسرًا بين العقل والجسم

يعاني المصابون بإصابات في الحبل الشوكي من انقطاع "الاتصال" بين الدماغ والعضلات، ما يجعل الأوامر الحركية غير قادرة على الوصول إلى الأطراف. التقنية الجديدة تعمل على تجاوز هذا الانقطاع من خلال ما يُعرف بـ "الجسر العصبي الرقمي".

هذا الجسر عبارة عن منظومة معقدة تشمل:

واجهة عصبية تُزرع في الدماغ لالتقاط إشارات "نية الحركة".

جهاز

معالجة ذكي يستخدم خوارزميات متقدمة لتحليل هذه الإشارات.

جهاز تحفيز كهربائي في النخاع الشوكي يُعيد إرسال الإشارات إلى الأعصاب الطرفية.

وببساطة، يعيد هذا النظام بناء الطريق المقطوع بين العقل والعضلات، ويحوّل التفكير بالحركة إلى فعل حركي حقيقي.

قصة مذهلة: مريض يمشي بعد عقد من الشلل

في عام 2023، خرجت جامعة لوزان السويسرية بإعلان هزّ الأوساط العلمية: أول تجربة ناجحة لاستخدام الشريحة على مريض مصاب بشلل نصفي منذ أكثر من 10 سنوات.

غيرت-جان أوسكام، وهو رجل هولندي أصيب في حادث دراجة نارية عام 2011، أصبح أول إنسان يستعيد القدرة على المشي باستخدام الشريحة العصبية الجديدة.
تم زرع شريحتين في دماغه وعموده الفقري، وربطهما بنظام ذكي يعالج إشارات الدماغ ويفك رموز نواياه الحركية، ثم يرسلها لتحفيز عضلات الساقين.

والنتيجة؟
استطاع غيرت-جان المشي من جديد، وصعود الدرج، والتحكم الكامل بخطواته بعقله فقط. لم يكن بحاجة إلى عصا أو دعم خارجي، بل إلى "نية الحركة" فقط.

سرعة مذهلة... واستجابة قريبة من الطبيعية

وفقًا للفريق البحثي، فإن سرعة الاستجابة بين التفكير بالحركة وبدء تنفيذها

وصلت إلى أقل من 0.2 ثانية. وهو رقم مذهل إذا علمنا أن الاستجابة الطبيعية لدى الإنسان السليم تقع في حدود 0.15 إلى 0.2 ثانية.

الأكثر إثارة أن التجربة لم تقتصر على أوسكام وحده. فقد أُجريت تجارب مماثلة على عدد من المرضى، وسجّل أكثر من 70% منهم تحسنًا في القدرة الحركية، ما يفتح الباب لتعميم هذه التقنية في المستقبل القريب.

التحديات قائمة... ولكن الأمل أقوى

رغم النجاح اللافت، تواجه هذه التقنية تحديات كثيرة.
فزراعتها تحتاج إلى جراحة دقيقة ومعقدة، تتطلب تجهيزات طبية عالية المستوى. كما أن التكلفة لا تزال مرتفعة، وهو ما قد يُعيق تطبيقها الواسع حاليًا.

من جهة أخرى، يخضع هذا الابتكار لمزيد من التجارب السريرية، ويحتاج إلى موافقة الجهات التنظيمية في مختلف الدول قبل السماح باستخدامه خارج إطار التجارب.

لكن الأهم من ذلك، هو أن الفكرة أثبتت نجاعتها. أصبحت هناك طريقة علمية يمكن من خلالها إعادة الحركة بعد الشلل، ولم يعد ذلك مجرد حلم.

إمكانيات تتجاوز الشلل

الآفاق التي تفتحها هذه الشريحة تتعدى علاج الشلل الناتج عن إصابات النخاع الشوكي.
يأمل العلماء أن يُستخدم نفس المبدأ لمساعدة

مرضى السكتات الدماغية، والشلل الرعاش (باركنسون)، وربما حتى الأطراف الصناعية الذكية، بحيث تُحرّك بالإشارات العصبية بدلًا من الأوامر الميكانيكية.

وفي المستقبل، قد نصل إلى مرحلة يصبح فيها "توصيل العقل بالجسد" أمرًا اعتياديًا، حتى في الحالات المعقدة أو المزمنة.

حين يتحول الخيال العلمي إلى حقيقة

ما نشاهده اليوم، كان يُعرض منذ سنوات في أفلام الخيال العلمي: أشخاص يتحكمون بأطرافهم عبر شرائح مزروعة، ومرضى يستعيدون الحركة بعد سنوات من الشلل. الفرق الوحيد أن هذه المشاهد لم تعد محض خيال.

في زمن التكنولوجيا العصبية، أصبح العقل قادرًا على إعادة الحياة إلى الجسد، حتى إن تعطّل.
وقد تكون هذه الشريحة الإلكترونية، ببساطتها الظاهرة وتعقيدها الخفي، واحدة من أهم أدوات الشفاء التي قدّمتها البشرية لنفسها في القرن الحادي والعشرين.

كلمة أخيرة

لا شك أن هذا الإنجاز ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالعلم لا يتوقف عند النجاح الأول، بل يبني عليه ويطوّره ويجعله متاحًا للجميع.

ربما في يومٍ قريب، يصبح الشلل مجرد مرحلة مؤقتة، لا حُكمًا نهائيًا على الحركة. وربما، بفضل "شريحة صغيرة"،

يُعاد تشغيل الأجساد التي أُغلقت ذات يوم بفعل إصابة، ويُفتح من جديد باب الحياة والحركة.

تم نسخ الرابط