تمثال المسيح الفادي في ريو دي جانيرو، رمزًا للتسامح، يتسم بجمال تصميمه

لمحة نيوز

إذا كنت تعتقد أن كل التماثيل في العالم تتسم بالجمود والصرامة فدعني آخذك في جولة إلى ريو دي جانيرو حيث يقف تمثال المسيح الفادي على قمة جبل كوركوفادو وكأنه يقول للعالم تعالوا... حضن مفتوح للجميع!
نبدأ من البداية من تلك الفكرة المجنونة أو العبقرية التي ولدت في أذهان البرازيليين في أوائل القرن العشرين. كان هناك قلق من تراجع الإيمان الديني فجاء أحد الكهنة و قال لم لا نبني تمثالا ضخما ليس فقط يراقب المدينة بل يعانقها و يا لها من فكرة. تمثال بحجم مبنى بذراعين ممدودتين كأنه يقول تعال يا صاحبي لا يوجد شيء لا يغفر.
في عام 1921 بدأت الفكرة تأخذ شكلا جديا. و بعد عدة مسودات و تصاميم استقر الأمر على فنان برازيلي اسمه هيتور دا سيلفا كوستا اللي شاف في المشروع فرصة ليدخل التاريخ و أي دخول! تعاون مع مهندس فرنسي اسمه بول لاندوفسكي اللي كانت وظيفته الأساسية نحت وجه المسيح و النتيجة وجه هادئ حنون و كأنه يقول ما في داعي للدراما يا بشر الحياة حلوة.
تمثال المسيح الفادي لا يقلد التماثيل الكلاسيكية اللي تحب تستعرض العضلات أو تحاول

ترعبك. لا يا سيدي. هذا التمثال له فلسفة أخرى الذراعان المفتوحتان ترمز للتسامح القبول و الانفتاح. تخيل أنك تستيقظ كل يوم و تفتح نافذتك فترى تمثالا عملاقا يقول لك كل شيء سيكون على ما يرام جرعة تفاؤل لا بأس بها صح
تم بناء التمثال بين عامي 1922 و واستخدم في بنائه الخرسانة و مادة الصابونيت نعم ليست صابونة و لكنها نوع من الحجارة ناعم وسهل النحت. اي وزنه يصل إلى أكثر من 1100 طن يعني لو فكر التمثال ينزل للمدينة يحتاج إلى مقعدين في الطائرة على الأقل.
و لكن دعونا لا ننسى الموقع وحده يستحق التصفيق. يقع التمثال على قمة جبل كوركوفادو بارتفاع 710 مترا فوق سطح البحر و كأنه حارس المدينة من أعلى أو كأن المدينة كلها في كفه. و إذا زرتها فاستعد لرحلة مليئة بالعرق الإعجاب و ربما بعض الصور السيلفي التي ستبدو فيها كأنك تلمس إصبع المسيح لا تقلق كلنا جربناها.
الطريف أن التمثال رغم مكانته الدينية الكبيرة أصبح نجم سوشيال ميديا قبل ظهور السوشيال ميديا أصلا! الكل يريد صورة معه من السياح إلى المحللين و إلى نجوم هوليوود. و الأطرف بعض الناس
حاولوا تقليده بفتح أذرعهم فوق الجبل وهناك من سقط وهناك من ظن نفسه رسولا. الدرس هنا لا تحاول أن تكون تمثالا فقط التقط صورة و انزل.
و في 2007 نال التمثال مكانته كأحد عجائب الدنيا السبع الجديدة. تخيل من بين كل تلك المعالم المدهشة في العالم تمثال المسيح الفادي وقف جنب الهرم و سور الصين وماتشو بيتشو و قال أنا أيضا مميز!.
لكن التمثال ليس فقط للسياحة أو الصور بل أصبح رمزا وطنيا للبرازيل. يظهر في كل المناسبات من مباريات كرة القدم حتى الأعياد الوطنية و كأن البلد بأكمله يقول عندنا واحد شايفنا من فوق و كل شيء تحت السيطرة.
و بالحديث عن كرة القدم لأننا في البرازيل ولا يمكن أن نتحدث عن أي شيء بدون ذكر الكرة تمثال المسيح الفادي شهد احتفالات لا تعد و لا تحصى. كلما فاز منتخب البرازيل أضيء التمثال بالألوان و كأنه يشجع من فوق يهتف غوووول!
و مع كل هذه الرمزية لا يمكن تجاهل اللحظات التي مر بها التمثال وكان فيها بطلا. في 2010 أصابه البرق وتضررت أجزاء من رأسه ويديه. لكن لا تقلق فالبرازيليون أصلحوه بسرعة وكأنهم يصلحون جدهم المفضل.
وتم تزويده لاحقا بمعدات واقية من البرق لأنه حتى القداسة تحتاج إلى تأمين ضد الطبيعة.
التمثال أيضا كان مصدر إلهام لعدد لا يحصى من الأعمال الفنية والأفلام حتى أن البعض وضعه في أفلام الكوارث الطبيعية وهو يسقط أو يحطم. و لكن الحقيقة أن هذا التمثال أثبت أنه أثبت من معظم المباني في ريو و حتى لو هبت العاصفة فذراعاه المفتوحتان لا تزالان ترحبان بالجميع.
والآن عزيزي القارئ إن ذهبت إلى ريو دي جانيرو وقررت زيارة التمثال فخذ معك قبعة كاميرا و ربما بعض الماء لأن الطريق إلى القمة قد يكون طويلا. وعندما تصل لا تفكر فقط في الصورة التي ستنشرها على إنستغرام بل خذ لحظة لتتأمل هذا التمثال لم يصنع فقط ليرى بل ليشعر. إنه يذكرك بأن التسامح قوة و أن الفخامة يمكن أن تكون هادئة وأن أكبر الرموز قد تقف بلا كلمة لكنها تقول الكثير.
في النهاية تمثال المسيح الفادي ليس مجرد صخرة عملاقة على جبل. إنه رسالة حضن مفتوح ونكتة جميلة في وجه الحياة الجادة. فلا عجب أن يقف هناك منذ عقود يضحك في سره ويراقب مدينة لا تنام مدينة ترقص تحب و تحتفل... تحت نظر
المسيح الفادي.

تم نسخ الرابط