تقرير صحي حديث يشير إلى ازدياد حالات الإجهاد النفسي واضطرابات القلق عالميًا نتيجة ضغوط العمل ونمط الحياة السريع
يعيش العالم في الفترة الأخيرة حالة متزايدة من القلق والتوتر النفسي خصوصا بين العاملين في بيئات العمل الحديثة في ظل تسارع إيقاع الحياة وتزايد الضغوط اليومية وهو ما جعل اضطرابات القلق والإجهاد لم تعد حالات فردية عابرة بل ظاهرة واسعة ترتبط بشكل مباشر بطريقة العيش والعمل اليوم.
لم يعد القلق مجرد شعور مؤقت يظهر في مواقف معينة بل تحول عند كثيرين إلى جزء شبه دائم من يومهم. تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من البالغين في سن العمل يعانون بدرجات مختلفة من التوتر المزمن أو القلق أو حتى الاكتئاب والمشكلة أن هذا الوضع بدأ يبدو وكأنه طبيعي داخل بيئات العمل حيث الضغط مستمر والوقت دائما غير كاف والمتطلبات لا تتوقف.
بيئة العمل نفسها تغيرت بشكل واضح خلال السنوات الماضية فلم يعد الأمر يقتصر على أداء المهام فقط بل أصبح الموظف مطالبا بسرعة
السنوات التي تلت جائحة كوفيد-19 زادت الصورة تعقيدا نوعا ما إذ تغيرت أنماط العمل فجأة وظهرت مشاعر العزلة وعدم الاستقرار لدى كثير من الناس خاصة مع القلق المرتبط بالوظائف والمستقبل. وحتى بعد عودة الحياة إلى شكل أقرب للطبيعي لم تختف هذه الضغوط بل استمرت بل وازدادت عند البعض.
الأرقام تعكس حجم المشكلة بشكل أوضح فالتوتر والقلق في بيئات العمل لا يؤثران فقط على الأفراد بل يتركان أثرا مباشرا على الإنتاجية من خلال الغياب أو انخفاض الأداء أو حتى الاستقالات المتكررة . كما تظهر الأعراض بشكل يومي: إرهاق ذهني صعوبة في التركيز نوم غير منتظم وشعور
هذه الحالة لا تأتي من سبب واحد بل من مجموعة عوامل تتداخل معا ساعات العمل الطويلة السعي المستمر لتحقيق نتائج أعلى غياب التحكم الكامل في طبيعة العمل الاعتماد الكبير على التكنولوجيا والتداخل المستمر بين الحياة الشخصية والمهنية كلها أشياء تضع العقل في حالة استنفار دائم ومع الوقت يبدأ الإرهاق.
الشباب تحديدا يبدو أنهم الأكثر تأثرا في هذا المشهد فبداية المسار المهني تحمل معها ضغوطا كبيرة سواء لإثبات الذات أو لمواكبة سوق عمل تنافسي إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية . ومع الحياة الرقمية المستمرة يصبح من الصعب الانفصال عن العمل حتى لفترة قصيرة وهذا ينعكس مباشرة على التوازن النفسي.
ولا تتوقف التأثيرات عند الأفراد فقط بل تمتد إلى بيئة العمل والمجتمع بشكل أوسع حيث
أمام هذا الواقع بدأت تظهر دعوات لإعادة التفكير في طريقة العمل نفسها ليس فقط من زاوية الإنتاج بل من زاوية الإنسان أيضا. الحديث لم يعد عن إنجاز أكبر فقط بل عن بيئة أكثر توازنا ساعات عمل أقل ضغطا دعم نفسي داخل المؤسسات ووعي أكبر بتأثير الضغط المستمر على الأداء.
ومع كل هذا يبدو أن التحدي في الفترة القادمة لن يكون اقتصاديا أو مهنيا فقط بل نفسي بالدرجة الأولى. فالحفاظ على توازن العاملين وصحتهم النفسية أصبح شرطا أساسيا لاستمرار أي بيئة عمل ناجحة . فهل يتجه العالم فعلا لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والعمل؟ ربما لأن الاستمرار بهذا الشكل يبدو صعبا على المدى الطويل.