منظمة الصحة العالمية تؤكد استمرار الفجوات الصحية عالميًا رغم تحسن المؤشرات

لمحة نيوز

يعيش العالم اليوم حالة  من المفارقة  الواضحة  في المشهد الصحي  فبينما تشير الأرقام إلى تقدم ملحوظ في كثير من المؤشرات  تبقى الصورة  على أرض الواقع أقل توازنا مما تبدو عليه. فبحسب ما تؤكده تقارير منظمة  الصحة  العالمية   لا يزال الوصول إلى الرعاية  الصحية  يختلف بشكل كبير من مكان لآخر  بل وحتى داخل المجتمع الواحد  ليبقى هذا الحق الأساسي أقرب إلى امتياز في بعض المناطق  وليس خدمة  متاحة  للجميع كما يفترض.
وتوضح المعطيات أن التطور الصحي الذي تحقق خلال السنوات الماضية  لم يكن موزعا بالتساوي  إذ استفادت بعض الدول بشكل كبير من التقدم الطبي والتقني  في حين بقيت دول أخرى تواجه صعوبات حقيقية  في تحسين أنظمتها الصحية . هذا التفاوت لا يقتصر على مستوى الدول فقط  بل يمتد ليكشف عن فجوات واضحة  في جودة  الخدمات وإمكانية  الوصول

إليها  وهو ما يجعل الحديث عن تحسن عالمي بحاجة  إلى شيء من التوقف والتأمل.
وخلال العقدين الأخيرين  شهد العالم توسعا في تقديم الخدمات الصحية  الأساسية   سواء في مجال الوقاية  أو علاج الأمراض الشائعة   إلى جانب تحسن نسبي في رعاية  الأمومة  والطفولة  في عدد من الدول  كما انخفضت في بعض الأماكن الأعباء المالية  المباشرة  على المرضى  وهو أمر يحسب ضمن الإشارات الإيجابية . لكن هذا التحسن لم يصل إلى الجميع بنفس الوتيرة   فهناك مناطق لا تزال تعاني من ضعف واضح في البنية  الصحية   مما يترك فجوة  يصعب تجاهلها.
وعند النظر بشكل أعمق  تظهر أرقام تعكس واقعا أكثر تعقيدا  إذ لا يزال عدد هائل من الناس حول العالم يواجه صعوبة  في الحصول على خدمات صحية  أساسية . مليارات الأشخاص  حرفيا  يجدون أنفسهم أمام تحديات تتعلق ببعد المرافق الصحية
 أو ارتفاع تكلفتها أو حتى محدودية  توفرها. ليس هذا فقط  بل إن أكثر من ملياري إنسان يتحملون تكاليف مباشرة  عند طلب العلاج  ما يدفع البعض لتأجيله أو التخلي عنه تماما  وهو أمر قد يؤدي إلى تفاقم الحالات الصحية  بشكل خطير.
ولا تتوقف الفجوة  عند حدود الدول  بل تمتد داخلها بشكل لافت. فالفئات ذات الدخل المحدود غالبا ما تتحمل العبء الأكبر  سواء من حيث ضعف الوصول للخدمات أو ارتفاع تكلفتها مقارنة  بقدرتهم. كذلك  يظهر الفرق جليا بين المدن والمناطق الريفية   حيث تتركز الخدمات الطبية  في الحضر  بينما تعاني المناطق البعيدة  من نقص في الكوادر والتجهيزات. وحتى داخل هذه الصورة  تواجه النساء والأطفال في بعض الدول تحديات إضافية  تجعل حصولهم على الرعاية  أكثر تعقيدا.
وفي ظل التحولات الصحية  العالمية   أصبحت الأمراض المزمنة  مثل السكري وأمراض
القلب والسرطان تمثل عبئا متزايدا على الأنظمة  الصحية . صحيح أن هناك تقدما في التشخيص والعلاج  لكن القدرة  على التعامل مع هذه الأمراض لا تزال محدودة  في كثير من الدول  خاصة  تلك التي تعاني من ضعف التمويل أو نقص البنية  التحتية  مما يزيد الضغط على المستشفيات ويكشف الحاجة  إلى التركيز على الوقاية   وليس العلاج فقط.
أما التمويل  فهو قصة  بحد ذاته  إذ يعد من أبرز العقبات التي تعيق تحقيق العدالة  الصحية. ولكن في النهاية  ورغم كل ما تحقق من تقدم  تبقى الحقيقة  أن الطريق ما زال طويلا. فالصحة  العالمية  لا تقاس فقط بالأرقام أو التقنيات الحديثة  بل بمدى قدرة  الأنظمة  على الوصول لكل إنسان  في أي مكان  دون تمييز. وبين هذا وذاك  يبقى السؤال حاضرا  هل ينجح العالم في تضييق هذه الفجوة ؟ أم تستمر كما هي  ولو بشكل
أقل وضوحا؟

تم نسخ الرابط