بعد اكتشاف بتر الأعضاء لدى النمل: كيف طوّرت الحيوانات الطب الطبيعي؟

لمحة نيوز

في مشهد يشبه ما نراه في غرف العمليات البشرية فجر العلماء مفاجأة علمية مدهشة بعد رصدهم لسلوك طبي غير مسبوق لدى نوع معين من النمل الإفريقي أفراد هذا النوع يقومون ببتر أطراف أفراد آخرين في المستعمرة المصابة بجروح مهددة للحياة في محاولة مدروسة وفعالة لمنع تفشي العدوى وإنقاذ الحياة. هذا الاكتشاف العلمي المذهل يفتح الباب واسعا لفهم أعمق وأكثر تعقيدا للعلاقة بين السلوك الغريزي والتطور البيولوجي والذكاء الطبيعي في عالم الحيوان.
الدراسة الحديثة التي نشرتها مجلة Current Biology سلطت الضوء على نوع من النمل الإفريقي المفترس يدعى Megaponera analis وهو معروف بسلوكياته الاجتماعية المعقدة وبقيامه بغارات جماعية على أعشاش النمل الأبيض. خلال هذه الهجمات يصاب بعض النمل بجروح بليغة تشمل تمزق الأرجل أو تعرضها للعدوى بسبب التلوث. وهنا تبدأ المفاجأة زملاؤهم في المستعمرة لا يتخلون عنهم بل يباشرون عملية أشبه بالتدخل الجراحي إذ يقومون ببتر الأطراف المصابة بعناية فائقة!
يتم تنفيذ هذه العملية بعد تقييم دقيق للإصابة. وإذا قرر

النمل أن الطرف المصاب لن يشفى بل سيعرض الفرد لخطر العدوى القاتلة ينفذ البتر بدقة في المفصل ويستمر بعدها في تنظيف الجرح ولعقه لفترة طويلة باستخدام أفواههم التي تفرز سوائل مضادة للبكتيريا.
وفقا لما وثقته الدراسة فإن قرار البتر لا يتخذ عشوائيا بل يخضع لتقدير واضح من قبل أفراد النمل المعالج. فإذا كانت الإصابة سطحية أو غير خطيرة يكتفي النمل بلعق الجرح ومعالجته موضعيا. أما إذا كانت الإصابة عميقة أو هناك مؤشرات على بداية تعفن أو عدوى يتم اللجوء إلى البتر.
هذا السلوك يكشف عن قدرة مذهلة على اتخاذ قرارات علاجية بناء على التقييم الدقيق للحالة وهي مهارة كانت تنسب سابقا للبشر وبعض الرئيسيات فقط. والأكثر إثارة أن نجاح هذا البتر يرفع معدلات بقاء النملة المصابة على قيد الحياة من 20 إلى أكثر من 90.
على الرغم من أن النمل أثبت امتلاكه لنظام علاج متقدم إلا أنه ليس وحده في ذلك. لطالما أظهرت الدراسات أن الحيوانات تلجأ إلى وسائل بدائية لكنها فعالة في علاج نفسها من الإصابات أو مكافحة العدوى
الشمبانزي على سبيل المثال يستخدم
أوراقا معينة يمضغها ويضعها على الجروح كمطهر طبيعي.
الطيور مثل العصافير تستخدم زيوتا من نباتات عطرية لتعقيم الأعشاش وحماية صغارها من البكتيريا والطفيليات.
الدببة تفرك أجسادها على جذوع أشجار معينة تحتوي على مركبات ذات خواص مضادة للفطريات.
هذه الأمثلة تظهر كيف طورت الحيوانات نظم رعاية صحية تعتمد على موارد البيئة من دون أدوات أو تعليم بشري بل بالاعتماد على غريزة التطور البيولوجي وتجاربها المتراكمة عبر الأجيال.
ما أثاره سلوك النمل من دهشة يتجاوز مجرد الحيلة البيولوجية إلى أسئلة أعمق حول ماهية الوعي والسلوك الطبي الجماعي. فعملية بتر الأطراف كما رصدت لم تكن عبثية بل مدروسة منظمة وتحمل بعدا أخلاقيا ضمنيا حيث يمنح المصاب فرصة للعلاج ويتخذ القرار على أساس فرص النجاة.
تقارن هذه السلوكيات بما يحدث في العمليات الجراحية للإنسان حيث يتم اتخاذ قرار البتر كحل أخير للحفاظ على حياة المريض. وإذا كان النمل قادرا على اتخاذ قرار مماثل دون أدوات ودون تدريب فإننا أمام أحد أعقد مظاهر الذكاء الجمعي في الطبيعة.
النتائج المترتبة
على هذا الاكتشاف لا تقف عند حدود سلوك الحشرات بل تمتد إلى إمكانية استلهام تقنيات جديدة في الطب البشري وخاصة في مجال الجراحة الميدانية والطب الطارئ والرعاية البسيطة المعتمدة على مواد طبيعية.
يقول الباحثون إن دراسة إفرازات النمل أثناء لعق الجروح قد تسهم في تطوير أدوية مضادة للبكتيريا أكثر فاعلية خاصة في ظل التحديات المتزايدة لمقاومة المضادات الحيوية. كذلك فإن فهم الآلية التي يتخذ بها النمل قراراته قد يدفع العلماء لتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي تحاكي هذا التفكير التعاوني.
التاريخ البشري مليء بلحظات تعلم فيها الإنسان من الطبيعة سواء في بناء الطائرات بمحاكاة الطيور أو في تطوير الطب من خلال الأعشاب التي استخدمتها الحيوانات. ما يعيد اكتشافه العلماء اليوم هو أن الحيوانات لم تكن يوما كائنات بدائية عاجزة بل هي مجتمعات ذكية لها أساليبها في الحياة والنجاة والعلاج.
الحيوانات لا تتعلم من الكتب لكنها تتعلم من الحياة من المحاكاة من الغريزة ومن التجربة. وربما تكون هذه هي المدرسة الأهم، التي علينا كبشر أن نتعلم منها
المزيد.

تم نسخ الرابط