دراسة حديثة: أنماط النوم غير المنتظمة ترتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب
دراسة تكشف أن اضطراب مواعيد النوم قد يرفع خطر الإصابة بأمراض القلب
مقدمة
لم يعد النوم يُنظر إليه فقط كفترة راحة للجسد والعقل، بل أصبح موضوعًا متزايد الأهمية في البحوث الطبية باعتباره عاملًا حاسمًا في الوقاية من الأمراض المزمنة. فبينما انشغلت الدراسات لعقود ببحث تأثير عدد ساعات النوم على صحة الإنسان، بدأت الأبحاث الحديثة تركّز على جانب آخر لا يقل أهمية: انتظام مواعيد النوم والاستيقاظ.
وقد توصلت دراسات علمية حديثة إلى أن عدم انتظام النوم أي التفاوت الكبير في مواعيد النوم أو تقلب مدة النوم من ليلة إلى أخرى يرتبط بزيادة ملحوظة في خطر الإصابة بأمراض القلب. هذه النتائج تضيف بُعدًا جديدًا لمفهوم “النوم الصحي”، وتسلّط الضوء على أن ضبط إيقاع النوم قد يكون بنفس أهمية مدته.
ما المقصود بعدم انتظام النوم؟
يُعرّف العلماء انتظام النوم بمدى ثبات أوقات النوم والاستيقاظ يوميًا. فإذا كان الفرد يخلد إلى النوم في العاشرة مساءً تقريبًا كل يوم ويستيقظ عند السادسة صباحًا، فهذا انتظام عالٍ.
ولقياس هذا الأمر، ابتكر الباحثون مؤشرات مثل "مؤشر انتظام النوم" (Sleep Regularity Index) الذي يحسب تباين المواعيد والمدة عبر أسبوع كامل أو أكثر. هذه المؤشرات أتاحت تقييمًا علميًا دقيقًا، وأظهرت نتائج مقلقة حين تمت مقارنتها بمعدلات الإصابة بأمراض القلب.
نتائج الدراسات الحديثة
أظهرت بيانات أبحاث رصدية طويلة المدى أن الأشخاص الذين يعانون من تذبذب كبير في أنماط نومهم أكثر عرضة لتطوير مشاكل قلبية.
أبحاث أخرى كشفت أن تقلب النوم يرتبط بمؤشرات مبكرة لتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم، وهما عاملان رئيسيان يؤديان مع الوقت إلى أمراض القلب.
دراسة متقدمة أشارت أيضًا إلى أن اضطراب النوم لا يرتبط فقط بعدد ساعات النوم أو جودته، بل يُعد عاملًا مستقلًا بحد ذاته، مما يعني أن الاهتمام بالمواعيد المنتظمة مهم بقدر الاهتمام بالكمية.
كيف
يفسر العلماء هذا الارتباط؟
يفترض الباحثون عدة آليات بيولوجية قد تفسّر لماذا يقود النوم غير المنتظم إلى ضرر على القلب:
خلل في الساعة البيولوجية: التغيير المستمر في توقيت النوم يربك الإيقاع اليومي للجسم، مما يؤدي إلى اضطراب في إفراز الهرمونات مثل الكورتيزول والميلاتونين، ويؤثر على ضغط الدم ومعدل ضربات القلب.
التمثيل الغذائي: الأفراد الذين يفتقرون إلى انتظام النوم غالبًا يعانون من مقاومة الأنسولين، اختلالات في الشهية، وزيادة احتمالية السمنة والسكري – وجميعها عوامل معروفة لمخاطر القلب.
النظام العصبي: النوم المتقطع أو المتغير يرفع نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي، مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم المستمر وزيادة إجهاد القلب.
من الأكثر تأثرًا؟
تشير الأدلة إلى أن بعض الفئات قد تكون أكثر حساسية تجاه هذه الآثار:
كبار السن: لأنهم غالبًا يواجهون مشاكل في النوم مسبقًا ولديهم أمراض مزمنة.
الأشخاص المصابون بالقلق والاكتئاب: دراسات بيّنت أن تقلب النوم لديهم مرتبط بزيادة مؤشرات الالتهاب
العاملون بنظام الورديات: حيث تؤدي التغييرات المستمرة في مواعيد النوم إلى ما يُعرف بـ"الاضطراب الاجتماعي في الإيقاع" أو (Social Jetlag)، وهو أحد أخطر أشكال اضطراب النوم المزمنة.
توصيات مستقبلية
يدعو الباحثون إلى:
إضافة أسئلة تتعلق بانتظام النوم في الفحوصات الطبية الدورية الخاصة بصحة القلب.
إطلاق حملات توعية عامة تشرح للناس أن "متى ننام" لا يقل أهمية عن "كم ننام".
إجراء تجارب سريرية واسعة لاختبار ما إذا كانت التدخلات التي تعزز انتظام النوم قادرة بالفعل على تقليل معدلات أمراض القلب.
خاتمة
أوضحت الدراسات الحديثة أن النوم ليس مجرد عملية لإعادة شحن الطاقة، بل هو عنصر محوري في الوقاية من أمراض القلب. وبينما كنا نعتقد أن المهم فقط هو عدد الساعات، يبدو أن ثبات المواعيد وانتظام الإيقاع اليومي يحمل أهمية لا تقل عن ذلك.
وعليه، فإن النصيحة الذهبية للأفراد هي محاولة تثبيت مواعيد النوم والاستيقاظ قدر الإمكان، وتجنّب التقلّبات الكبيرة بين أيام الأسبوع ونهاياته.