دراسة جديدة تكشف انخفاضًا في فعالية اللقاحات ضد سلالة جديدة من فيروس الإنفلونزا

لمحة نيوز

دراسة تكشف تراجع فعالية لقاحات الإنفلونزا أمام سلالات متحوّرة — تداعيات علمية وصحية

مقدمة

لم يعد الحديث عن الإنفلونزا الموسمية مجرد شأن صحي متكرر، بل أصبح قضية علمية تطرح تساؤلات كل عام: هل اللقاح المتاح يوفر حماية كافية؟ وهل التغيرات الفيروسية المتسارعة ستبقي فعاليته في الحدود المأمولة؟

في موسم 2024/2025، عادت هذه التساؤلات إلى الواجهة بقوة، بعد أن أظهرت دراسات ميدانية ورصد جيني تراجعًا في أداء بعض اللقاحات ضد سلالات بعينها، لا سيما الفيروسات من النمط الفرعي H3N2. وبينما لم يفقد اللقاح أهميته كأداة رئيسية للحد من المضاعفات والوفيات، فإن البيانات الجديدة تفرض على الهيئات الصحية والعلماء إعادة التفكير في الاستراتيجيات المتبعة لمواجهة الإنفلونزا.

الخلفية: طبيعة فيروس سريع التغير

الإنفلونزا فيروس يتميز بقدرة عالية على التغيّر الجيني. هناك نوعان أساسيان من هذا التغيّر:

الانحراف المستضدي (Antigenic drift): طفرات صغيرة تحدث تدريجيًا في الجينات

المسؤولة عن بروتينات السطح، خصوصًا الهيماجلوتينين والنورامينيداز. هذه التغيرات تجعل الأجسام المضادة الناتجة عن التطعيم أو العدوى السابقة أقل قدرة على التعرف على الفيروس.

التحول المستضدي (Antigenic shift): تغيّر أكبر وأكثر ندرة، يحدث عندما يتبادل فيروس إنفلونزا جينات مع آخر مختلف، ما قد يؤدي إلى ظهور سلالات جديدة تمامًا.

في معظم المواسم، يكون "الانحراف المستضدي" هو المسؤول عن التراجع النسبي في فعالية اللقاح. وهذا ما حدث في الموسم الأخير، حيث تراكمت طفرات في سلالات H3N2 جعلت الفيروسات المنتشرة تختلف بدرجة ملحوظة عن التركيبة المستخدمة في اللقاح.

تصميم اللقاح: سباق مع الزمن

عادةً ما يتم تحديد تركيبة اللقاح قبل أشهر طويلة من موسم الإنفلونزا، اعتمادًا على توصيات منظمة الصحة العالمية. هذا التوقيت ضروري لإتاحة وقت كافٍ لتصنيع وتوزيع مئات الملايين من الجرعات عالميًا.

لكن المشكلة أن الفيروس لا ينتظر. فخلال هذه الفترة الزمنية قد تطرأ طفرات جديدة

تجعل السلالة المسيطرة على الأرض مختلفة عما توقّعه العلماء. النتيجة: لقاح "غير متطابق تمامًا" مع الفيروس المنتشر، وبالتالي فعالية أقل.

النتائج التي توصلت إليها الدراسات

فعالية متفاوتة بحسب السلالة

في الولايات المتحدة، قدّرت مراكز السيطرة على الأمراض (CDC) أن فعالية اللقاح تراوحت بين 30% و50% في الوقاية من الحالات التي تتطلب زيارة طبية، مع انخفاض ملحوظ ضد H3N2 مقارنة بالأنواع الأخرى مثل A(H1N1) وB.

في أوروبا، أظهرت شبكات المراقبة نتائج مشابهة، حيث سُجّل تراجع في الحماية ضد السلالة المسيطرة من H3N2، بينما كانت الحماية ضد السلالات الأخرى مقبولة.

اختلاف بحسب الفئة العمرية

كبار السن: سجلت أدنى مستويات الحماية، رغم أنهم الأكثر عرضة لمضاعفات الإنفلونزا.

الأطفال والبالغون الأصغر: حققوا استفادة أفضل نسبيًا، مع حماية متوسطة ضد معظم السلالات.

المصابين بأمراض مزمنة: كانوا أكثر عرضة للمرض رغم التلقيح، ما يعزز الحاجة لإجراءات إضافية مثل

العلاج المبكر بالأدوية المضادة للفيروسات.

ما وراء الأرقام: التفسير العلمي

الفيروسات التي انتشرت في عدة مناطق هذا الموسم أظهرت اختلافات جينية عن سلالات اللقاح المعتمدة. هذه الطفرات تمركزت في "المواقع المناعية" على بروتين الهيماجلوتينين، وهي المناطق التي يتعرف عليها الجهاز المناعي.

وعندما تتغير هذه المواقع، تصبح الأجسام المضادة الناتجة عن التطعيم أقل قدرة على منع الفيروس من دخول الخلايا. هذا ما يعرف بـ"التباعد المناعي" (antigenic divergence).

الخلاصة

رغم التراجع الملحوظ في فعالية اللقاحات الموسمية ضد بعض السلالات المتحورة، فإنها لا تزال تشكّل أداة أساسية في مواجهة الإنفلونزا. التحدي الحقيقي يكمن في تطوير منصات لقاح أكثر مرونة وسرعة، وفي الوقت ذاته الحفاظ على ثقة الجمهور بالتطعيم.

الدرس الأهم هو أن الوقاية من الإنفلونزا لا تعتمد على إجراء واحد، بل على مزيج من التطعيم، السلوكيات الوقائية، والتشخيص والعلاج المبكر. وحتى ينجح العلماء في تقديم لقاح

عالمي أو تقنيات أسرع، يظل التطعيم الموسمي أفضل رهان للحد من الخطر.

تم نسخ الرابط