دراسة دولية تشير إلى أن التعرض المطوّل للتوتر قد يرفع احتمالات الإصابة باضطرابات المناعة الذاتية لدى البالغين

لمحة نيوز

التوتر المزمن وأمراض المناعة الذاتية: الرابط الخفي بين الصحة النفسية والجسدية

في عالم سريع الإيقاع، حيث تتراكم الضغوط النفسية والمهنية والاجتماعية على الأفراد، يكشف العلم الحديث عن تأثير هذه الضغوط على الصحة الجسدية بطرق قد تبدو غير متوقعة. دراسة دولية حديثة أظهرت أن التعرض المطوّل للتوتر النفسي يمكن أن يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض المناعة الذاتية لدى البالغين، مما يسلط الضوء على أن الصحة النفسية ليست مجرد رفاهية عقلية، بل عنصر جوهري في حماية الجسم من مهاجمة نفسه.

دراسة كبيرة تكشف العلاقة

الدراسة شملت سجلات أكثر من 100 ألف شخص تم تشخيصهم باضطرابات نفسية مرتبطة بالتوتر، مثل اضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات التكيف الناتجة عن أحداث صادمة، مقابل نحو مليون شخص لم يعانوا من أي اضطرابات مشابهة. كما أُجريت مقارنة بين أشقاء المشاركين لتقليل أي تأثيرات وراثية أو بيئية

قد تشوش النتائج.

أظهرت التحليلات أن معدل الإصابة بأمراض المناعة الذاتية بين من تعرضوا لهذه الاضطرابات النفسية بلغ 9.1 حالة لكل ألف شخص سنويًا، مقابل 6.0 إلى 6.5 لكل ألف شخص سنويًا في المجموعتين المقارنتين. هذه الأرقام تكشف عن زيادة ملموسة في المخاطر، حيث تشمل الأمراض المناعية أكثر من 20 نوعًا، منها الذئبة الحمراء، التهاب المفاصل الروماتويدي، وداء السكري من النوع الأول، وأمراض الغدة الدرقية المناعية.

كيف يفسّر العلم هذا الارتباط؟

الجهاز العصبي والغدد الصماء يعملان معًا بشكل دقيق للحفاظ على توازن الجسم، وتُعرف هذه الشبكة بمحور الغدة النخامية-الغدة الكظرية. عند التعرض المزمن للتوتر، يتم إفراز كميات كبيرة من هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، ما يؤدي إلى اضطرابات في توازن الجهاز المناعي. هذه الاضطرابات يمكن أن تدفع الخلايا المناعية إلى مهاجمة أنسجة الجسم

نفسه، وهو ما يُعرف باضطرابات المناعة الذاتية.

الأمر لا يعني أن كل شخص يتعرض للتوتر سيصاب بهذه الأمراض، لكن التوتر يمثل عامل خطر مهم، خاصة عند وجود استعداد وراثي أو عوامل بيئية إضافية، مثل التعرض للملوثات، نمط حياة غير صحي، أو نقص في العناصر الغذائية الضرورية لدعم جهاز المناعة.

دراسات داعمة

ليست هذه الدراسة الوحيدة التي تربط بين التوتر وأمراض المناعة الذاتية. دراسة في آسيا شملت مرضى يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة أظهرت أن هؤلاء الأفراد لديهم احتمال أعلى بمقدار 2.26 مرة للإصابة بأي مرض من أمراض المناعة الذاتية مقارنة بالمجموعة الضابطة.

إضافة إلى ذلك، تشير أبحاث طويلة الأمد إلى أن الأطفال الذين تعرضوا لصدمات نفسية أو لإجهاد شديد في مراحل مبكرة من حياتهم، يعانون لاحقًا في مرحلة البلوغ من معدلات أعلى بكثير من الأمراض المناعية، مما يعزز فرضية أن التوتر المزمن عامل

خطر طويل الأمد على صحة الإنسان.

أمثلة حقيقية لتأثير التوتر على المناعة

أحد الأمثلة التي توضح هذه العلاقة هو حالة مرضى الذئبة الحمراء، حيث لاحظ الأطباء أن فترات التوتر النفسي الشديد غالبًا ما تسبق تفاقم الأعراض، مثل الالتهابات المفصلية والتعب المزمن. كذلك، في مرضى التهاب الغدة الدرقية المناعي، أظهرت الدراسات أن الأزمات النفسية المتكررة تتزامن مع زيادة نشاط المناعة الذاتية، ما يفاقم فقدان الغدة للقدرة على إنتاج هرمون الثيروكسين بشكل طبيعي.

إن الدراسات الحديثة تظهر بوضوح أن التوتر النفسي المزمن ليس مجرد شعور عابر، بل قد يكون محفزًا لتغيرات في جهاز المناعة تزيد خطر الإصابة بأمراض مناعية مزمنة. لذلك، تصبح إدارة التوتر جزءًا أساسيًا من الحفاظ على صحة الإنسان الجسدية والنفسية على حد سواء. التعامل مع التوتر بشكل فعال لا يحمي العقل فحسب، بل قد يكون الدرع الأقوى للجسم أمام

هجمات جهاز المناعة على نفسه.

تم نسخ الرابط