تلوث الهواء يتسبب في 10 ملايين وفاة مبكرة سنويًا
في زمن يشهد طفرة صناعية وتكنولوجية متسارعة تطفو على السطح واحدة من أخطر الأزمات البيئية والصحية التي تواجه العالم المعاصر تلوث الهواء. فقد كشفت تقارير دولية موثوقة أبرزها تقارير منظمة الصحة العالمية ومراكز الأبحاث البيئية أن تلوث الهواء يتسبب سنويا في ما يزيد عن 10 ملايين وفاة مبكرة حول العالم متجاوزا بذلك الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والسرطان وحوادث الطرق وحتى بعض الحروب والكوارث الطبيعية.
تلوث الهواء هو تراكم ملوثات ضارة في الغلاف الجوي سواء كانت صلبة أو سائلة أو غازية ويشمل ذلك الجسيمات الدقيقة PM2 5 وأكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت والأوزون الأرضي إضافة إلى مركبات عضوية متطايرة ناتجة عن احتراق الوقود والانبعاثات الصناعية وعوادم المركبات وحتى حرائق الغابات والعواصف الترابية.
وتعد الجسيمات الدقيقة من أخطر هذه الملوثات إذ تستطيع التسلل إلى الرئتين والدورة الدموية مسببة أضرارا جسيمة على مستوى أجهزة الجسم الحيوية وخاصة القلب والرئتين.
بحسب منظمة الصحة العالمية يعد الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة هم الأكثر عرضة للتأثر بتلوث الهواء.
أما في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط فإن الوضع أكثر تعقيدا إذ يعتمد ملايين الأشخاص على الوقود الحيوي التقليدي في الطهي والتدفئة داخل منازل غير مهواة مما يجعلهم عرضة لتلوث الهواء المنزلي وهو ما يرفع من نسب الإصابة بالأمراض التنفسية والوفاة المبكرة.
الوفاة الناتجة عن تلوث الهواء لا تحدث بشكل مباشر بل تكون نتيجة تراكمية للتعرض المزمن للملوثات التي تؤدي إلى تفاقم الأمراض غير السارية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 90 من سكان العالم يعيشون في مناطق تتجاوز فيها مستويات التلوث الحدود الآمنة الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية.
وتشمل أبرز الأمراض المرتبطة بتلوث الهواء
أمراض القلب والأوعية الدموية.
السكتات الدماغية.
سرطان الرئة وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة.
التهابات الجهاز التنفسي الحادة خصوصا لدى الأطفال.
هذه الأمراض تؤدي إلى تقصير متوسط العمر المتوقع وتكبد الأنظمة الصحية
لا تتوزع آثار تلوث الهواء بشكل متساو على مستوى العالم بل تتفاوت بشكل كبير بين الدول المتقدمة والنامية. ففي دول مثل الهند والصين حيث الكثافة السكانية مرتفعة والنمو الصناعي سريع تسجل أعلى معدلات التلوث الهوائي لا سيما في المدن الكبرى التي تتعرض لتركيزات مرتفعة من الجسيمات الدقيقة.
في إفريقيا وأجزاء من جنوب شرق آسيا يواجه السكان أخطارا متزايدة بسبب الاعتماد على مصادر طاقة ملوثة داخل المنازل. وفي المقابل شهدت بعض الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية تحسنا ملحوظا في جودة الهواء بفضل السياسات البيئية الصارمة إلا أن التحديات لا تزال قائمة خاصة في المناطق الحضرية.
تتعدى آثار تلوث الهواء البعد الصحي لتصل إلى أبعاد اقتصادية مقلقة. فقد قدرت تقارير البنك الدولي أن التكلفة السنوية لتلوث الهواء تتجاوز 8 1 تريليون دولار أي ما يعادل 6 1 من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
تشمل هذه التكاليف الخسائر الناتجة عن انخفاض الإنتاجية وزيادة الإنفاق الصحي والوفيات المبكرة إضافة إلى الآثار غير المباشرة على القطاعات الاقتصادية مثل الزراعة والسياحة والتعليم.
رغم خطورة التلوث
التحول نحو الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الفحم والنفط.
توسيع وسائل النقل العام وتبني السيارات الكهربائية.
فرض معايير صارمة للانبعاثات الصناعية ومراقبة الالتزام بها.
تشجيع استخدام الأجهزة المنزلية النظيفة في الطهي والتدفئة.
تعزيز الغطاء النباتي في المدن وتحسين التخطيط العمراني.
رفع مستوى الوعي البيئي عبر برامج تعليمية وإعلامية فعالة.
كما تدعو منظمات الصحة والبيئة إلى التعاون الدولي في إطار اتفاقيات بيئية ملزمة لضمان تحسين جودة الهواء عالميا.
يعد تلوث الهواء تحديا بيئيا وصحيا عالميا من الدرجة الأولى تتطلب مواجهته تنسيقا بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني فضلا عن دعم الأبحاث العلمية في هذا المجال. فالمعركة ضد الهواء الملوث ليست خيارا بل ضرورة وجودية لحماية صحة الإنسان وضمان استدامة كوكب الأرض.
الهواء الذي نتنفسه هو حق أساسي وليس رفاهية. وإذا لم تتحرك المجتمعات بشكل جماعي الآن فقد يأتي يوم يصبح فيه الهواء النظيف موردا نادرا تتنافس