أوروبا تفرض ضريبة على المشروبات الغازية لمكافحة السمنة
في تحول استراتيجي يعكس جدية التوجهات الأوروبية نحو معالجة تحديات الصحة العامة أقر الاتحاد الأوروبي فرض ضريبة جديدة على المشروبات الغازية والمحلاة في خطوة تهدف إلى التصدي لتنامي معدلات السمنة والأمراض المزمنة المرتبطة بالاستهلاك المفرط للسكر.
القرار الذي بدأ تطبيقه تدريجيا في عدد من الدول الأعضاء وفي مقدمتها فرنسا ألمانيا إسبانيا وبلجيكا يأتي ضمن خطة أوروبية شاملة ترمي إلى تحسين النظام الغذائي للسكان والحد من الأعباء الصحية والاقتصادية الناجمة عن السمنة ومرض السكري من النوع الثاني.
تشير إحصائيات صادرة عن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض ECDC إلى أن نحو 60 من البالغين الأوروبيين يعانون من زيادة الوزن فيما تصل معدلات السمنة إلى 1 من كل 4 بالغين في بعض الدول مثل المملكة المتحدة ومالطا. أما على مستوى الأطفال فقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعدا مقلقا في نسب السمنة المبكرة ما ينذر بارتفاع مطرد في نسب الإصابة بالأمراض المزمنة.
وتعتبر المشروبات الغازية من أبرز مصادر السعرات الحرارية الزائدة في النظام الغذائي الأوروبي إذ تحتوي العبوة الواحدة 330 مل على ما يتراوح بين 30 إلى 40 غراما من السكر المضاف أي ما يعادل تقريبا ضعف الكمية اليومية الموصى بها
تعتمد الضريبة التي أطلق عليها رسميا اسم الضريبة الصحية على السكر على نظام تدريجي مرتبط بمحتوى السكر في كل منتج. وتبدأ من نسبة 10 لتصل إلى 20 من سعر المنتج في حال تجاوز نسبة السكر حدا معينا عادة 58 غرام لكل 100 مل.
ويتم فرض الضريبة مباشرة على المنتجين والموزعين ما يؤدي إلى زيادة أسعار التجزئة للمستهلك النهائي وهو ما تأمل الحكومات أن يحد من الاستهلاك اليومي للمشروبات المحلاة. وترافق هذه الخطوة إجراءات مكملة تشمل
إلزام المصانع بوضع ملصقات توعوية واضحة على المنتجات.
منع الإعلانات التجارية الموجهة للأطفال لمنتجات تحتوي على نسب عالية من السكر.
إطلاق حملات إعلامية وتثقيفية للتحذير من أضرار الإفراط في استهلاك السكر.
تشير تجارب دول سابقة مثل المكسيك 2014 والمملكة المتحدة 2018 إلى أن فرض ضريبة على السكر يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في استهلاك المشروبات المحلاة بنسبة تراوحت بين 10 و خلال العام الأول من التطبيق إلى جانب تحول تدريجي في تفضيلات المستهلكين نحو الخيارات الصحية مثل الماء والعصائر الطبيعية غير المحلاة.
وبحسب المفوضة الأوروبية للصحة ستيللا كيرياكيدس فإن القرار يستند إلى أدلة علمية دامغة تربط بين الضرائب السلوكية
أثار القرار جدلا واسعا داخل أوساط الصناعات الغذائية والمشروبات حيث اعتبرته بعض الشركات الكبرى عبئا ماليا إضافيا قد ينعكس على سلاسل الإنتاج والوظائف. وطالبت جمعيات المنتجين بتقديم محفزات للشركات التي تعيد صياغة منتجاتها لتخفيض السكر بدلا من فرض ضرائب مباشرة.
في المقابل رحبت منظمات الصحة العامة والأطباء وخبراء التغذية بالخطوة معتبرين إياها ضرورية طال انتظارها في ظل تزايد معدلات الأمراض غير المعدية. كما أظهر استطلاع للرأي أجري على عينة من 10 آلاف مواطن أوروبي أن نحو 67 من المشاركين يؤيدون فرض ضريبة على المنتجات غير الصحية إذا كانت تهدف إلى تحسين الصحة العامة.
تكلف الأمراض المرتبطة بالسمنة مثل السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية أنظمة الرعاية الصحية في الاتحاد الأوروبي ما يزيد عن 150 مليار يورو سنويا. ويقدر خبراء الصحة العامة أن تقليص استهلاك السكر بنسبة 20 فقط قد يوفر على الحكومات الأوروبية مليارات اليوروهات سنويا من نفقات العلاج ويزيد من الإنتاجية الاقتصادية.
كما يتوقع أن تؤدي السياسة الجديدة إلى تحفيز الصناعات الغذائية على ابتكار تركيبات صحية ومنخفضة السكر ما يعزز التنافسية
ألمحت بعض الحكومات الأوروبية إلى إمكانية توسيع نطاق الضريبة ليشمل منتجات غذائية أخرى ذات نسب مرتفعة من الدهون المشبعة أو الملح مثل الوجبات السريعة والمقرمشات والحلويات المصنعة. كما تناقش مقترحات لفرض ضريبة إضافية على المنتجات الغذائية المعلبة التي تحتوي على سكريات مضافة خفية.
من سياسة مالية إلى أداة وقائية
يرى خبراء السياسات الصحية أن فرض ضريبة على السكر ليس مجرد إجراء مالي بل يمثل أداة وقائية فعالة ضمن نهج الصحة المجتمعية. فكما نجحت ضرائب التبغ والكحول سابقا في تقليل معدلات الاستهلاك يأمل صناع القرار أن تحقق ضرائب السكر نتائج مشابهة خاصة عند دمجها مع التعليم الغذائي والتثقيف الصحي.
تجسد ضريبة المشروبات الغازية في أوروبا تحولا نوعيا في فلسفة التعامل مع تحديات الصحة العامة بحيث تنتقل من التركيز على العلاج إلى الاستثمار في الوقاية ومن تحميل الفرد المسؤولية إلى تحميل السوق جزءا من المسؤولية المجتمعية.
ورغم التحديات المرافقة لتطبيق مثل هذه السياسات فإن المؤشرات الأولية وتجارب الدول السابقة والدعم الشعبي المتنامي تشير إلى أن أوروبا ماضية في طريقها نحو مستقبل غذائي أكثر وعيا وأقل