دراسة دولية تكشف ارتباط التعرض طويل الأمد لدخان حرائق الغابات بزيادة مخاطر أمراض القلب حتى بعد انقضاء الحرائق
لم تعد حرائق الغابات مجرد مشهد بيئي مؤقت ينتهي مع إخماد النيران وتراجع الدخان، فالدراسات الحديثة تشير إلى أن آثارها قد تستمر لفترة أطول مما كان يُعتقد، لتصل إلى صحة الإنسان وتزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. ومع تزايد انتشار هذه الحرائق حول العالم، أصبح تأثير الدخان الناتج عنها قضية صحية تثير اهتمام الباحثين، خاصة مع ارتباط الجسيمات الدقيقة الموجودة فيه بمضاعفات قد تظهر حتى بعد انتهاء موسم الحرائق.
وكشفت إحدى الدراسات الحديثة، التي اعتمدت على تحليل بيانات صحية ضخمة شملت عشرات الملايين من الأشخاص، عن وجود علاقة بين التعرض المتكرر للجسيمات الدقيقة الناتجة عن دخان حرائق الغابات وزيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب. وركز الباحثون على جزيئات PM2.5 التي تعد من أخطر مكونات تلوث الهواء، بسبب صغر حجمها وقدرتها على الوصول
وأشار العلماء إلى أن الخطر لا يرتبط فقط بالأيام التي يكون فيها الدخان كثيفًا أثناء اشتعال الحرائق، بل إن التعرض المتكرر لكميات أقل من هذه الملوثات على مدى سنوات قد يترك تأثيرات صحية واضحة، خصوصًا لدى الأشخاص الذين لديهم عوامل تزيد من احتمالات الإصابة بالمضاعفات.
كما أن بعض المركبات الكيميائية الموجودة في دخان الحرائق قد تؤثر في عمل بطانة الأوعية الدموية، مما يضعف قدرة الجسم على تنظيم تدفق الدم بصورة طبيعية ويرفع من احتمالات حدوث مضاعفات قلبية، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من عوامل خطر مسبقة.
ومن الأمور التي لفتت انتباه الباحثين أن توقف الحرائق لا يعني بالضرورة انتهاء تأثيراتها الصحية، إذ يمكن للجسيمات الدقيقة أن تبقى عالقة في الهواء لفترات مختلفة، كما قد تنتقل من منطقة إلى أخرى،
وتوضح الدراسات أن بعض الآثار الصحية الناتجة عن التعرض لدخان الحرائق قد لا تظهر فورًا، بل يمكن أن تتطور بعد مرور وقت على انتهاء موجات الدخان، بسبب استمرار الالتهابات داخل الجسم أو بقاء تأثيراتها على الجهاز القلبي الوعائي لفترة من الزمن.
ولهذا فإن التعامل مع حرائق الغابات لم يعد مقتصرًا على السيطرة على النيران أثناء اندلاعها، بل أصبح من الضروري متابعة جودة الهواء واتخاذ إجراءات وقائية حتى بعد انتهاء الحرائق وتحسن الظروف الجوية.
وتعد فئات معينة أكثر عرضة للتأثر بهذه الملوثات، وفي مقدمتها كبار السن الذين ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب السابقة. كما يواجه الأشخاص الذين يعانون من أمراض تنفسية أو ضعف في المناعة
لكن تأثير هذه الملوثات لا يقتصر على الفئات الحساسة فقط، فالتعرض المتكرر على مدى سنوات قد يشكل عبئًا صحيًا تدريجيًا حتى لدى الأشخاص الذين لا يعانون من مشكلات واضحة، خاصة مع طول مواسم الحرائق واتساع المناطق التي يصل إليها الدخان.
وتؤكد الأدلة العلمية المتزايدة أن آثار حرائق الغابات لا تنتهي بمجرد إطفاء النيران، فالدخان الناتج عنها قد يترك تأثيرات صحية تمتد إلى القلب والرئتين لفترات طويلة. ومع استمرار تغير المناخ وارتفاع احتمالات اندلاع حرائق أكثر قوة، تصبح الحاجة أكبر إلى وضع خطط للوقاية وتقليل التعرض لهذه الملوثات من أجل حماية صحة المجتمعات.
فمواجهة حرائق الغابات لم تعد مسؤولية بيئية فقط، بل أصبحت جزءًا من جهود الحفاظ على صحة الإنسان، لأن حماية السكان من مخاطر الدخان لا تقل أهمية عن السيطرة