دراسة طبية تكشف ارتباط التعرض للضوء الصناعي ليلًا باضطرابات النوم وزيادة مخاطر بعض المشكلات الصحية
لم يعد الليل في حياتنا الحديثة كما كان من قبل، تلك الساعات التي كان يغلب عليها الهدوء والظلام أصبحت اليوم محاطة بمصادر مختلفة من الإضاءة، بداية من مصابيح المنازل والشوارع وصولًا إلى شاشات الهواتف والأجهزة الإلكترونية التي لا تفارق الكثيرين حتى قبل لحظات قليلة من النوم. ومع هذا الانتشار الكبير للضوء الصناعي، بدأت الأبحاث الطبية تركز بشكل أكبر على تأثيره في جسم الإنسان، خصوصًا مع ظهور مؤشرات تربط بين التعرض للضوء ليلًا واضطراب النوم وبعض المخاطر الصحية المحتملة.
تشير العديد من الدراسات إلى أن وجود الضوء الصناعي خلال ساعات الليل قد يؤثر في النظام الحيوي للجسم، فالإنسان يمتلك ساعة بيولوجية داخلية تنظم أوقات النوم والاستيقاظ ومستويات النشاط وإفراز الهرمونات، ويعتمد هذا النظام بشكل كبير على إشارات الضوء والظلام من أجل العمل بصورة طبيعية. المشكلة ليست في الإضاءة نفسها،
عندما يبدأ الليل ويختفي الضوء الطبيعي، يرفع الجسم إنتاج هرمون الميلاتونين الذي يساعد على الشعور بالنعاس وتهيئة الدماغ للنوم. لكن الضوء الصناعي، خاصة الصادر عن الشاشات الإلكترونية، قد يخدع الدماغ ويجعله يتعامل مع هذه الفترة وكأنها ما زالت وقتًا للنشاط، الأمر الذي يؤخر إفراز الميلاتونين ويؤثر على موعد النوم وجودته.
ولا تتوقف المشكلة عند تأخر الخلود إلى النوم فقط، فقد يؤدي اضطراب الساعة البيولوجية إلى نوم متقطع أو أقل من حاجة الجسم، كما قد يقلل من الوقت الذي يقضيه الإنسان في مراحل النوم العميق التي تعد ضرورية لاستعادة الطاقة وتجديد العديد من وظائف الجسم.
ويرتبط انتشار الضوء الليلي بشكل واضح بالتغيرات التي طرأت على أسلوب الحياة خلال السنوات الماضية.
كما أن المدن الحديثة أضافت عاملًا آخر إلى هذه المشكلة، فإضاءة الشوارع والمباني والإعلانات المضيئة قد تصل إلى داخل غرف النوم، وتحرم الإنسان من الظلام الكامل الذي يحتاجه الجسم للحفاظ على انتظام دورته اليومية. ويشير متخصصون في طب النوم إلى أن الإنسان اليوم يعيش في بيئة مختلفة تمامًا عن تلك التي اعتاد عليها جسده عبر الزمن، فبعد أن كان الانتقال بين النشاط والراحة مرتبطًا بشروق الشمس وغروبها، أصبح بالإمكان تمديد ساعات اليقظة إلى منتصف الليل وما بعده بسبب توفر الإضاءة المستمرة.
ومع أن تأثير الضوء الصناعي يظهر بشكل أكبر في اضطرابات النوم، فإن الباحثين
كما وجدت بعض الأبحاث علاقة بين اضطراب النوم المستمر الناتج عن خلل الساعة البيولوجية وبين ارتفاع احتمالية الإصابة بمشكلات مثل زيادة الوزن واضطرابات سكر الدم وأمراض القلب. ويعود ذلك إلى أن النوم المنتظم يرتبط بعدد كبير من العمليات الهرمونية والحيوية التي تساعد الجسم على الحفاظ على توازنه.
وفي النهاية، تكشف هذه الدراسات أن التفاصيل الصغيرة في حياتنا اليومية قد تحمل تأثيرات أكبر مما نتوقع، فترك الضوء مفتوحًا طوال الليل أو تصفح الهاتف قبل النوم قد يبدو أمرًا عاديًا، لكنه قد يلعب دورًا مهمًا في الطريقة التي يعمل بها الجسم وفي جودة النوم التي يحصل عليها الإنسان