دراسة حديثة تكشف أن العوامل النفسية قد تضخم أعراض متلازمة القولون العصبي
لا تزال متلازمة القولون العصبي من أكثر الاضطرابات الهضمية انتشارًا، وغالبًا ما ترتبط في أذهان الناس بآلام البطن والانتفاخ واضطرابات الإخراج، لكن الدراسات الحديثة بدأت ترسم صورة أوسع لهذا الاضطراب، بعدما أظهرت أن الحالة النفسية قد تكون من العوامل المؤثرة بشكل واضح في شدة الأعراض التي يعاني منها المرضى وفي مدى انعكاسها على حياتهم اليومية.
وتوضح الأبحاث الحديثة أن القلق والتوتر واضطرابات المزاج ليست مجرد نتيجة للمعاناة مع القولون العصبي، وإنما قد تسهم أيضًا في زيادة الإحساس بالألم وتفاقم الاضطرابات الهضمية لدى بعض المصابين. لذلك يتجه الباحثون اليوم إلى النظر للمتلازمة باعتبارها حالة تحتاج إلى علاج متكامل يجمع بين الاهتمام بالجهاز الهضمي وتحسين الصحة النفسية في الوقت نفسه. ويستند هذا الفهم إلى ما يعرف بمحور الدماغ والأمعاء، وهو نظام اتصال مستمر بين الجهاز العصبي والجهاز الهضمي، بحيث يمكن
وعندما يتعرض الإنسان لفترات طويلة من الضغط النفسي، تطرأ تغيرات على استجابة الجسم للتوتر، وهو ما قد يؤثر في حركة الأمعاء وفي طريقة انتقال الإشارات العصبية المرتبطة بالألم. ويبدو هذا التأثير أكثر وضوحًا لدى المصابين بالقولون العصبي، نتيجة ارتفاع حساسية الجهاز الهضمي لديهم تجاه المؤثرات المختلفة. ولهذا يلاحظ كثير من المرضى أن الأعراض تشتد خلال فترات القلق أو الضغوط اليومية، فتزداد نوبات المغص والانتفاخ واضطرابات حركة الأمعاء، حتى إن لم يطرأ تغيير واضح على النظام الغذائي.
وفي دراسة علمية حديثة شملت مجموعة من المصابين بمتلازمة القولون العصبي، تبين أن شدة الأعراض لا تعتمد على العوامل الجسدية وحدها، بل ترتبط أيضًا بالحالة النفسية وجودة الحياة ومستوى النشاط اليومي. واعتمد الباحثون
وتفسر هذه النتائج لماذا قد يعاني شخصان من متلازمة القولون العصبي ذاتها، بينما يشعر أحدهما بأعراض أشد بسبب التوتر أو القلق أو اضطرابات النوم، في حين تكون الأعراض لدى الآخر أقل تأثيرًا نتيجة استقرار حالته النفسية. ومع ذلك، لا تشير الدراسات إلى أن التوتر أو القلق هما السبب الوحيد للإصابة بالمرض، فالقولون العصبي يبقى اضطرابًا معقدًا تتداخل فيه عوامل عديدة، من بينها طريقة عمل الأمعاء، وحساسية الأعصاب، والتغيرات التي تطرأ على البكتيريا النافعة داخل الجهاز الهضمي،
لكن ما تؤكده الأبحاث هو أن الضغوط النفسية المستمرة قد تجعل الجهاز العصبي أكثر حساسية للإشارات القادمة من الأمعاء، وهو ما يؤدي إلى تضخيم الشعور بالألم أو الانزعاج. لذلك يصف عدد من الأطباء القولون العصبي بأنه اضطراب يجمع بين الجوانب الجسدية والنفسية، وليس مجرد مشكلة هضمية فقط.
ومع استمرار الأبحاث في هذا المجال، تتغير النظرة التقليدية إلى متلازمة القولون العصبي، إذ بات واضحًا أنها ليست مجرد اضطراب يصيب الجهاز الهضمي، وإنما حالة تتأثر بتفاعل معقد بين العقل والجسم. ويأمل الباحثون أن تقود هذه النتائج مستقبلًا إلى تطوير أساليب علاج أكثر دقة، تعتمد على تقييم الحالة الجسدية والنفسية لكل مريض بدل الاعتماد على نهج واحد للجميع، خاصة أن فهم العلاقة بين الصحة النفسية والجهاز الهضمي قد يكون خطوة مهمة نحو مساعدة المرضى على السيطرة على الأعراض وتحسين جودة حياتهم