منظمة الأرصاد العالمية تحذر من تصاعد مخاطر دخان حرائق الغابات وموجات الحر على جودة الهواء وصحة الإنسان
تواجه الجهود الدولية لتحسين جودة الهواء تحديًا جديدًا لا يرتبط فقط بانبعاثات المصانع ووسائل النقل، بل يتصل بصورة متزايدة بالتغير المناخي والظواهر الجوية المتطرفة. فقد حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن ارتفاع وتيرة حرائق الغابات وموجات الحر الشديدة قد يهددان المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية في الحد من تلوث الهواء، خصوصًا مع قدرة الدخان والملوثات على الانتقال لمسافات واسعة والتأثير في مناطق بعيدة عن مصدرها.
وجاء هذا التحذير في أحدث نشرة للمنظمة حول جودة الهواء والمناخ، والتي تناولت بيانات عام 2025 والعلاقة المتشابكة بين تغير المناخ وتلوث الغلاف الجوي. ورغم أن عددًا من الدول نجح في خفض الانبعاثات الناتجة عن قطاعات مثل الصناعة والنقل بفضل المعايير البيئية الأكثر تشددًا وتحسين تقنيات الطاقة والإنتاج، فإن حرائق الغابات أصبحت مصدرًا متزايدًا للتلوث يصعب التعامل معه
وتزداد المشكلة عندما تتزامن الحرائق مع فترات طويلة من الطقس الحار والجاف، إذ تصبح الظروف أكثر ملاءمة لانتشار النيران واستمرارها وإطلاق كميات كبيرة من الملوثات في الهواء. وقد أظهرت بيانات 2025 ارتفاع تركيزات الجسيمات الدقيقة في مناطق عدة مقارنة بمتوسطاتها طويلة الأجل، من بينها شمال كندا وأجزاء من روسيا وغرب ووسط أفريقيا، إلى جانب شمال غربي إسبانيا الذي شهد مستويات مرتفعة بسبب حرائق استثنائية خلال أواخر الصيف.
ولا تتوقف خطورة حرائق الغابات عند الأضرار المباشرة التي تخلفها، فالدخان يحمل خليطًا من الجسيمات والمواد الكيميائية التي يمكن أن تبقى عالقة في الجو وتنتقل مع الرياح إلى المدن والمناطق والدول المجاورة. ويأتي ضمن أخطر هذه الملوثات الجسيمات الدقيقة PM2.5، التي تستطيع الوصول إلى أعماق الجهاز التنفسي بل والانتقال إلى مجرى الدم، رغم صعوبة رؤيتها بالعين المجردة.
وتشير المعطيات التي استندت إليها المنظمة إلى أن أحداث دخان الحرائق الشديدة تضاعفت عالميًا إلى نحو ثلاثة أمثال مستوياتها منذ تسعينيات القرن الماضي، فيما قدرت إحدى الدراسات أن هذا التصاعد ربما ارتبط بنحو 100 ألف وفاة إضافية سنويًا خلال الفترة بين 2010 و2018. كما يرتبط التعرض للدخان بزيادة نوبات الربو وتفاقم أمراض الرئة المزمنة وزيادة استخدام أدوية الجهاز التنفسي، وقد تمتد آثاره إلى القلب والدورة الدموية والصحة النفسية ونتائج الحمل والولادة، مع حساسية أكبر لدى الأطفال وكبار السن ومرضى القلب والجهاز التنفسي.
وفي الوقت نفسه تفتح موجات الحر جبهة أخرى أمام جودة الهواء، إذ تساعد درجات الحرارة المرتفعة وقوة أشعة الشمس واستقرار حركة الهواء على زيادة تكوّن الأوزون القريب من سطح الأرض. وهذا الأوزون يختلف عن طبقة الأوزون الواقية في الغلاف الجوي العلوي، فهو ملوث ضار قد يؤدي ارتفاع مستوياته
وتكشف هذه التطورات عن حلقة متبادلة بين المناخ وجودة الهواء؛ فارتفاع الحرارة يزيد احتمالات الحرائق، والحرائق تطلق الملوثات، بينما يمكن لبعض الجسيمات والهباءات الجوية أن تؤثر بدورها في المناخ.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، لم يعد التعامل مع تلوث الهواء وتغير المناخ كملفين منفصلين كافيًا. فخفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري يمكن أن يحسن جودة الهواء، بينما تحتاج المجتمعات في الوقت نفسه إلى خطط للتكيف مع تلوث يصعب منع بعض مصادره بالكامل. وفي النهاية، فإن حماية المكاسب التي تحققت في جودة الهواء ستتطلب مراقبة أدق واستعدادًا صحيًا أسرع، إلى جانب الحد من مسببات تغير المناخ التي تدفع الحرائق وموجات الحر وغيرها من الظواهر إلى مستويات