قانون خصخصة المستشفيات في مصر: هل تتأثر الخدمة الصحية للفقراء؟

لمحة نيوز

في الآونة الأخيرة، أثار قانون خصخصة المستشفيات العامة في مصر جدلًا واسعًا بين مختلف فئات المجتمع، خاصة المهتمين بالشأن الصحي وحقوق المواطنين في الحصول على الرعاية الطبية العادلة. وبينما ترى الحكومة أن القانون خطوة إصلاحية تهدف إلى رفع كفاءة الخدمات الصحية وتخفيف العبء عن الدولة، يتخوف آخرون من تأثيره المحتمل على الفئات الأقل دخلًا، واعتباره تهديدًا حقيقيًا لمبدأ الرعاية الصحية المجانية التي لطالما شكلت أحد ثوابت السياسات الاجتماعية في البلاد.

هذا المقال يحاول تسليط الضوء على أبعاد هذا القانون من مختلف الزوايا: الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية، ليفتح باب النقاش حول مدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين تحسين الخدمات الصحية وحماية الفئات الفقيرة من الإقصاء الطبي.

ما هو قانون خصخصة المستشفيات؟

قانون خصخصة المستشفيات، كما تم طرحه مؤخرًا، يهدف إلى تحويل إدارة وتشغيل عدد من المستشفيات العامة إلى القطاع الخاص أو إلى شركات تابعة للدولة تعمل وفق منطق الربحية، تحت إشراف وزارة الصحة أو الهيئة العامة للرعاية الصحية.

يشمل القانون إمكانية تأجير أو تشغيل بعض المنشآت الطبية العامة من قبل شركات خاصة، بشرط الالتزام بعدد من المعايير، منها استمرار تقديم خدمات الفحص والعلاج، ولكن مع إعادة هيكلة آلية تقديم هذه الخدمات، بما في ذلك نظم الدفع، وأسعار الخدمة، وإدارة الموارد البشرية.

مبررات الحكومة: تحسين الجودة وتقليل العجز

تطرح الحكومة عدة مبررات لتبني هذا النهج، من أبرزها:

1.
تطوير البنية التحتية

تشير الأرقام إلى أن العديد من المستشفيات العامة تعاني من تهالك المباني، ونقص المعدات، وضعف الصيانة. وتقول الحكومة إن إشراك القطاع الخاص سيتيح ضخ استثمارات جديدة تضمن تحديث هذه المنشآت.

2. رفع كفاءة الإدارة

تُتَّهم المستشفيات الحكومية كثيرًا بـ "البيروقراطية"، وتأخر القرارات، وغياب الحوافز، وهو ما يعوق تقديم خدمات فعالة. وتؤمن الحكومة أن الإدارة بنمط "القطاع الخاص" ستُحدث انضباطًا وتحسن الأداء.

3. تقليل العبء على الموازنة العامة

تنفق الدولة مليارات الجنيهات سنويًا على القطاع الصحي، في ظل تزايد الكثافة السكانية، وضغوط التمويل، وارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية. وترى الحكومة أن الشراكة مع القطاع الخاص تتيح توجيه الموارد للفئات الأكثر احتياجًا.

المخاوف الشعبية: هل يتعرض الفقراء للتهميش؟

على الجانب الآخر، هناك تخوفات حقيقية عبّر عنها العديد من المواطنين والمهنيين في القطاع الصحي، ومن أبرزها:

1. خطر تسليع الصحة

أحد أكثر الانتقادات شيوعًا هو أن خصخصة المستشفيات تعني، عمليًا، تحويل الخدمة الصحية من حق أساسي إلى سلعة تُباع وتُشترى. وهو ما يتعارض مع روح الدستور المصري، الذي ينص في مادته 18 على أن "لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة".

2. ارتفاع تكلفة العلاج

في حال انتقال المستشفيات إلى إدارة خاصة، فإن من المرجح أن تتغير نظم التسعير، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة تكلفة الخدمات الطبية، حتى وإن تم تخصيص

نسبة معينة لخدمة محدودي الدخل.

3. تراجع دور الدولة كمقدم رئيسي للرعاية

يخشى البعض من أن تكون الخصخصة مقدمة لانسحاب تدريجي للدولة من قطاع الصحة، تاركة السوق لقوانين العرض والطلب، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى فجوة طبقية واسعة في إمكانية الوصول إلى العلاج.

4. التأثير على العاملين في القطاع الصحي

هناك تخوف من أن تؤدي الخصخصة إلى تقليص أعداد العاملين في المستشفيات العامة، أو فرض نظم عمل صارمة قد لا تراعي الأمان الوظيفي، خاصة في ظل ضعف النقابات الطبية.

التجارب الدولية: نماذج متباينة

في تقييم قانون كهذا، من المفيد الرجوع إلى تجارب دول أخرى. بعض الدول مثل الهند والمكسيك والبرازيل سلكت مسار خصخصة جزئية للخدمات الصحية، ونجحت في رفع جودة بعض المنشآت، لكن ذلك غالبًا ما جاء على حساب المساواة في الوصول للخدمة.

في المقابل، تبنّت دول أوروبية مثل السويد والنرويج نموذج "الضمان الصحي الشامل"، والذي يتيح شراكة جزئية مع القطاع الخاص دون التخلي عن الدور المركزي للدولة في تقديم العلاج المجاني أو منخفض التكلفة لكل المواطنين.

كيف يمكن تفادي الآثار السلبية؟

حتى لا تتحول الخصخصة إلى عامل إقصاء اجتماعي، من المهم وضع ضوابط صارمة وتوازنات مدروسة، تشمل:

إلزام المشغلين الجدد بتخصيص نسبة من الأسرة والخدمات للفقراء بالمجان أو بتكلفة رمزية.

إنشاء جهة رقابية مستقلة تتابع جودة وأسعار الخدمات في المستشفيات المشغَّلة من قبل القطاع الخاص.

توفير تأمين صحي شامل وحقيقي للمواطنين، يغطي تكاليف

العلاج في مختلف المستشفيات.

إشراك المجتمع المدني في مراقبة وتقييم أداء هذه المستشفيات.

تحسين أجور الأطباء والعاملين في المستشفيات العامة، لمنع تسرب الكفاءات إلى القطاع الخاص.

الدور الغائب للإعلام والبرلمان

من الجدير بالذكر أن النقاش المجتمعي حول قانون خصخصة المستشفيات لا يزال محدودًا. هناك حاجة ملحة لأن يلعب الإعلام دورًا تنويريًا في طرح النقاش بشكل موضوعي، بعيدًا عن التهويل أو التجميل.

كما ينبغي أن يقوم البرلمان بدوره الرقابي والتشريعي الكامل، عبر تنظيم جلسات استماع لممثلي المجتمع المدني، ونقابات الأطباء، والمتخصصين في الاقتصاد الصحي، للتأكد من أن صياغة القانون النهائية تراعي مصالح الجميع.

هل يمكن التوفيق بين الجودة والعدالة؟

الإجابة ليست سهلة، لكن التجارب تشير إلى أن ذلك ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية، والرقابة الشفافة، والتخطيط العادل. فالفقراء لا يعارضون جودة الخدمة، بل يخشون من استبعادهم منها.

تحسين كفاءة القطاع الصحي أمر مطلوب وضروري، خاصة في ظل تحديات ما بعد الجائحة، والانفجار السكاني، ونقص الموارد. لكن هذا التحسين يجب ألا يكون على حساب حق الإنسان البسيط في تلقي العلاج اللائق، بغض النظر عن قدرته المالية.

خاتمة: مستقبل الصحة بين السوق والدولة

يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للدولة أن تسير نحو التحديث دون التفريط في الحقوق الأساسية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي ما سيحدد ما إذا كانت خصخصة المستشفيات في مصر ستكون خطوة إصلاحية حقيقية أم بابًا جديدًا

للتمييز الطبي والاجتماعي.

ولعل التحدي الأكبر ليس في الخصخصة ذاتها، بل في كيفية إدارتها وتنفيذها، وضمان أن تظل صحة المواطن المصري فوق أي حسابات اقتصادية.

تم نسخ الرابط